حسن الأمين

264

مستدركات أعيان الشيعة

كان أقل مباشرة في التعبير عن هواجس الكواكبي المتأثرة بالاستبداد الحميدي الذي كان سببا لهجرته إلى مصر ، ولكن هذا الكتاب - عدا أنه يحمل طابع المرحلة الصعبة - يطرح مشروعا ضمنيا للمسألة العربية من منظور سياسي واضح ، دون أن يكون الإطار الروحي المقترح في مشروعه للخلافة ، مندرجا في هذه الرؤية الدينية أو الاجتماعية ، على أنها - أي الخلافة - وإن كانت منطلقة لدى الكواكبي من دافع احيائي ، فهي ليست سوى النموذج القائم على الشورى ومعادلة التواصل العضوي بين الدين والسياسة ، ومن ناحية أخرى فان هذا الكتاب يحمل في ثناياه دعوة صريحة إلى العرب للنهوض بالإسلام السياسي الذي تداعت صورته وفقد دوره الحضاري في ظل الحكم العثماني المطلق ، فهم وحدهم - برأيه - القادرون على النهوض بهذا الدور عبر استعادتهم للخلافة ( 1 ) مقترنة ب « استعادة » الدين الذي « خرج . . . من حضانة أهله » العرب ، كما ورد في هذا الكتاب . ( 2 ) والواقع أنه من الصعب جدا الحديث عن تمايز ما في الكتابين ، لا سيما في موضوعات الإصلاح وتشعباتها المختلفة ، إذ كانت معاناة الكواكبي واضحة في دراسته لمظاهر الخلل وتصوراته للحلول على الصعيد السياسية والاجتماعية والدينية . ولكن التمايز أكثر ما هو ملحوظ في المنهج الذي جاء مباشرا في « الطبائع » ورمزيا في « أم القرى » ، مع تجاوز في الأخير لمشكلة العلاقة مع السلطنة العثمانية إلى محاولة وضع تصور للمشكلة العربية بصورة خاصة . وغني عن القول أن هذا الكتاب يتضمن مطارحات على لسان اثنين وعشرين مسلما ( فاضلا ) ( 3 ) جرت في مكة ، مقتبسا عنوانه من اسم آخر لها ( أم القرى ) ومن البديهي أن اختيار هذا المكان ، حيث انعقد الاجتماع الذي شكك البعض ( 4 ) بأنه من خيال الكاتب واعتبره حركة سرية قائمة ، لم يكن من باب المصادفة ، لما تمثله مكة من أهمية في الإسلام الأول ، وفي الذاكرة العربية ، تمتد زمانا إلى ما قبله ، وتتجسد حضورا في كتابه - أي القرآن - الذي حوى كثيرا من التفاصيل الاجتماعية والاقتصادية عن تاريخ « البلد الأمين » ، مثل الإيلاف والحج وقريش التي نزل بلغتها ( لهجتها ) العربية ، والتي كان « يحسنها » ( 5 ) المنتظمون في الاجتماع السالف الذكر . وإذا كان الكواكبي قد ألمح إلى الوحدة العربية في « الطبائع » متجاوزا في طرحه الطائفة والمذهب كما سبقت الإشارة فان اللغة شكلت عنده عاملا بارزا في توثيق عرى الرابطة بين المسلمين ( 6 ) دون أن يكون من باب المصادفة أيضا أن يحسن أعضاء « جمعيته » اللغة العربية ، وهم ينتمون إلى بلدان لها لغاتها المختلفة . وفي ضوء ما تقدم ، فان الكواكبي كان أحد أوائل الذين رهصت كتاباتهم بالفكر القومي ، إن لم يكن أولهم بالتحديد ، انطلاقا من قراءة مهدت لقواعد موضوعية في هذا السبيل . وقد جاراه في ذلك مفكر قومي آخر هو « نجيب عازوري » الذي طالب بانفصال العرب عن الأتراك ، ملتقيا مع الكواكبي في الدعوة إلى قيام خلافة عربية في الحجاز ، تناط بها الشؤون الروحية للمسلمين ، وإلى إعطاء الحرية الدينة للمسيحيين العرب . ( 7 ) ولكن ريادة الكواكبي - وهو فقيه كانت نشأته في ظل سلطة مباشرة لبني عثمان ( الشام ) ، أو غير مباشرة لهم ( مصر ) خلافا للعازوري الذي نشر أفكاره في فرنسا - تجلت ، ليس في اختراقه الحاجز الفكري ( الإسلامي ) في عهده ، ولكن في تجاوزه العهد نفسه ، إلى الاحتكاك بمؤثرات غربية ، يرجح أنها وصلته عبر اطلاعه على بعض كتابات رموز النهضة الفرنسية . ( 8 ) ولعل هذا التأثر واضح في كثير من مفاهيمه الخاصة بمسائل الأحياء والوطنية ( 9 ) والحرية ( 10 ) والديموقراطية ( 11 ) ونبذ التعصب الديني ( 12 ) الذي يرى فيه البعض خطا بأنه ميل لدى الكواكبي إلى فصل الدين عن الدولة ، ( 13 ) ذلك أن المسألة الأخيرة متعارضة في الجوهر مع الفكرة الأساسية التي بنى عليها أطروحته في « أم القرى » الداعية إلى إقامة خليفة قرشي ، يتخذ مقره في الحجاز ، لأن الخلافة التي اقترحها كسلطة روحية ، كانت مجرد تصور مرحلي وليست حلا كاملا لأي من الطرفين العربي والعثماني ، أو كلاهما معا ، ومن السذاجة الافتراض بان الكواكبي كان مقتنعا لخليفته المقترح بهذه السلطة التي كانت قائمة حين ذاك عبر شريف مكة ، وهو قرشي أيضا ، لأن الخلافة من حيث المبدأ سلطة واحدة يتكامل فيها الجانب الروحي مع الجانب الزمني ( السياسي ) . ولعل ترداد عبارة « الاكتتام » و « استحسانه » على لسان الأستاذ الرئيس ( المكي ) في مستهل « المؤتمر » يبعث على الاعتقاد بان طرح الفكرة من هذا المنظور ، كان أبعد مما يمكن الوصول إليه في تلك الفترة الحالكة ، يؤكد ذلك ما عرضه « الرئيس » من « موجبات الاكتتام » في السياق ذاته ، والتشكيك خصوصا بمواقف « العلماء » الذين غالبا ما كانوا هدفا لنقد لاذع من جانب الكواكبي في « أم القرى » . ( 14 ) وإذا كان هذا « الخليفة » ، بسلطته الروحية المقترحة ، ما دار في خلد الكواكبي ، فليس ثمة ما يدعو إلى تلك السرية ، خصوصا وأن الكتاب نشر في مكان لا يستوجب مثل هذا القدر منها ، وبالتالي يصح التساؤل أيضا ، عن جدارة هذا الخليفة ، الفاقد لدوره السياسي في إعادة « وصل الرابطة الدينية والوحدة الخلقية » ( 15 ) المفقودتين ، في وقت عجز عن القيام بذلك الخليفة الفعلي ( السلطان ) . ومن ناحية أخرى ، فان ما يلفت القارئ هو تكرار عبارة « الفتور » في عدد من صفحات الكتاب « ( 16 ) مقترنا عند الكواكبي باليأس الذي هو برأيه سبب هذا الفتور ، ( 17 ) دون أن يكون مجديا ذلك الحل المعلن في « مؤتمر مكة » لمعالجة الأمراض العديدة التي تم التوقف عندها ، وبلغت تحت وطاتها الدولة العثمانية حدود الياس .

--> ( 1 ) ليفين ، الحركات ، ص 153 . ( 2 ) أم القرى ، ص 175 ، المرجع السابق . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 164 . ( 4 ) جان داية ، الامام الكواكبي ، ص 82 . ( 5 ) أم القرى ، ص 164 ، المرجع السابق . ( 6 ) أم القرى ، ص 193 - 194 ، المرجع السابق . ( 7 ) سليمان موسى ، الحركة العربية ، ص 23 - 14 . ( 8 ) الدوري ، التكوين ، ص 168 . ( 9 ) المكان نفسه ، انظر أم القرى ، ص 216 ، المرجع السابق . ( 10 ) ليفين ، الحركات ، ص 153 . ( 11 ) المرجع نفسه ، ص 174 . ( 12 ) المرجع السابق ، ص 204 . ( 13 ) داية ، الامام الكواكبي ، ص 59 . ( 14 ) راجع الكتاب ، ص 167 . المرجع السابق . ( 15 ) المرجع نفسه ، ص 180 . ( 16 ) راجع على سبيل المثال الصفحات : 169 ، 174 ، 177 ، 180 ، 183 ، 187 ، 188 ، 189 . ( 17 ) المرجع نفسه ، ص 156 .